أحمد بن محمد القسطلاني

153

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بحديث الباب . وقوله تعالى : { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } [ الحشر : 8 ] فنسب الله الديار إليهم كما نسب الأموال إليهم ، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست ملك لهم . قال ابن خزيمة : لو كان المراد بقوله تعالى : ( { سواء العاكف فيه والباد } ) جميع الحرم وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ولا التغوّط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن ، ولا نعلم عالمًا منع من ذلك ولا كره لجنب وحائض ودخل الحرم ولا الجماع فيه ، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها ولا يقول بذلك أحد . ( { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } ) [ الحج : 25 ] الباء في بإلحاد صلة أي : ومن يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى : { تنبت بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] قال في الكشاف : ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال : ومن يرد فيه مرادًا ما عادلاً عن القصد ، وقوله : بإلحاد وبظلم حالان مترادفان ، وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم ، وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك . وقال المؤلّف يفسر ما وقع من غريب الألفاظ على عادته : ( البادي : الطاري ) وفي الفرع بالهمز مصلح على كشط وهو تفسير منه بالمعنى . قال في الفتح : وهو مقتضى ما جاء عن ابن عباس وغيره كما رواه عبد بن حميد وغيره وهو موافق لما قاله البيضاوي وغيره . ( معكوفًا : محبوسًا ) وليست هذه الكلمة في هذه الآية بل في قوله : والهدي معكوفًا أن يبلغ محله في سورة الفتح ، ويمكن أن يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا : سواء العاكف فيه أي المقيم والباد في وجوب تعظيمه عليهم ولزوم احترامهم له وإقامة مناسكه قاله الحسن ومجاهد وغيرهما . وذهب ابن عباس وابن جبير وقتادة وغيرهم إلى أن التسوية بين البادي والعاكف في منازل مكة ، وهو مذهب أبي حنيفة وقال به محمد بن الحسن فليس المقيم بها أحق بالمنزل من القادم عليها ، واحتج لذلك بحديث علقمة بن نضلة عند ابن ماجة قال : توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن . زاد البيهقي : ومن استغنى أسكن ، وزاد الطحاوي بعد قوله على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - ما تباع ولا تكرى ، لكنه منقطع لأن علقمة ليس بصحابي ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر قال : يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي : حيث شاء . وأجيب : بأن المراد كراهة الكراء رفقًا بالوفود ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء . 1588 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ : " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ ، فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ - رضي الله عنهما - شَيْئًا ، لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - يَقُولُ : لاَ يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى [ الأنفال : 72 ] { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } الآيَةَ . [ الحديث 1588 - أطرافه 3058 ، 4282 ، 6764 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا أصبغ ) بن الفرج ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( ابن وهب ) عبد الله ( عن يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن علي بن حسين ) المشهور بزين العابدين ولأبي ذر : ابن الحسين ( عن عمرو بن عثمان ) بن عفان أمير المؤمنين - رضي الله عنه - وعمرو بفتح العين وسكون الميم ( عن أسامة بن زيد ) حب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( - رضي الله عنه - أنه قال : يا رسول الله أين تنزل ) زاد في المغازي غدًا ( في دارك بمكة ) ؟ قال في الفتح : حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك بدليل رواية ابن خزيمة والطحوي عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب بلفظ : أتنزل في دارك ؟ قال : فكأنه استفهمه أوّلاً عن مكان نزوله ثم ظن أنه ينزل في داره فاستفهمه عن ذلك اه - . وتعقبه العيني بأن أين كلمة استفهام فلم يبق وجه لتقدير حرف لاستفهام . قال : وما وجه قوله حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك والاستفهام عن النزول في الدار لا عن نفس الدار اه - . والذي قاله في الفتح هو الأظهر فليتأمل ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( وهل ترك ) زاد مسلم كالبخاري في المغازي هنا لنا ( عقيل ) بفتح العين وكسر القاف ( من رباع ) بكسر الراء جمع ربع المحلة أو المنزل المشتمل على أبيات أو الدار وحينئذٍ فيكون قوله ( أو دور ) ؟ تأكيدًا أو شكًا من الراوي وجمع النكرة وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري تفيد العموم للإشعار بأنه لم يترك من الرباع المتعددة شيء ومن